الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
191
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهو انقداح زناد يحتاج في تنوّره إلى أعواد . فإمّا أن نجعل ما قبله متصلا بالكلام الذي يقال لهم يوم القيامة ابتداء من قوله : ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [ المطففين : 17 ] إلى هنا كما تقدم . وإمّا أن يجعل قوله : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا إلخ مقول قول محذوف دل عليه قوله في الآية قبله : ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ والتقدير : يقال لهم اليوم الذين آمنوا يضحكون منكم . وقدم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله : الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ دون أن يقال : فاليوم يضحك الذين آمنوا ، لإفادة الحصر وهو قصر إضافي في مقابلة قوله : كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ أي زال استهزاء المشركين بالمؤمنين فاليوم المؤمنون يضحكون من الكفار دون العكس . وتقديم مِنَ الْكُفَّارِ على متعلّقه وهو يَضْحَكُونَ للاهتمام بالمضحوك منهم تعجيلا لإساءتهم عند سماع هذا التقريع . وقوله : مِنَ الْكُفَّارِ إظهار في مقام الإضمار ، عدل عن أن يقال : منهم يضحكون ، لما في الوصف المظهر من الذم للكفار . ومفعول يَنْظُرُونَ محذوف دل عليه قوله : مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ تقديره : ينظرونهم ، أي يشاهدون المشركين في العذاب والإهانة . [ 36 ] [ سورة المطففين ( 83 ) : آية 36 ] هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) فذلكة لما حكي من اعتداء المشركين على المؤمنين وما ترتب عليه من الجزاء يوم القيامة ، فالمعنى فقد جوزي الكفار بما كانوا يفعلون وهذا من تمام النداء الذي يعلق به يوم القيامة . والاستفهام ب هَلْ تقريري وتعجيب من عدم إفلاتهم منه بعد دهور . والاستفهام من قبيل الطلب فهو من أنواع الخطاب . والخطاب بهذا الاستفهام موجه إلى غير معيّن بل إلى كل من يسمع ذلك النداء يوم القيامة . وهذا من مقول القول المحذوف .